الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

395

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

يَوْمُ الْفَصْلِ خبر عنها والاستفهامان مستعملان في معنى التهويل والتعجيب . [ 15 ] [ سورة المرسلات ( 77 ) : آية 15 ] وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ( 15 ) حمل هذه الجملة عن نظائرها الآتية في هذه السورة يقتضي أن تجعل استئنافا لقصد تهديد المشركين الذين يسمعون القرآن ، وتهويل يوم الفصل في نفوسهم ليحذروه ، وهو متصل في المعنى بجملة إِنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ [ المرسلات : 7 ] اتصال أجزاء النظم ، فموقع جملة وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ابتداء الكلام ، وموقع جملة فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ [ المرسلات : 8 ] التأخر ، وإنما قدمت لتؤذن بمعنى الشرط . وقد حصل من تغيير النظم على هذا الوجه أن صارت جملة وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ بمنزلة التذييل ، فحصل في هذا النظم أسلوب رائع ، ومعان بدائع . وبعض المفسرين جعل هذه الجملة جواب ( إذا ) أي يتعلق ( إذا ) بالاستقرار الذي في الخبر وهو لِلْمُكَذِّبِينَ . والتقدير : إذا حصل كذا وكذا حلّ الويل للمكذبين وهو كالبيان لقوله : إِنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ ، فيحصل تأكيد الوعيد ، ولا يرد على هذا عروّ الجواب عن الفاء الرابطة للجواب لأن جواب ( إذا ) جواب صوري ، وإنما هو متعلّق ( إذا ) عومل معاملة الجواب في المعنى . ثم إن هذه الجملة صالحة لمعنى الخبرية ولمعنى الإنشاء لأن تركيب ( ويل له ) يستعمل إنشاء بكثرة . والويل : أشد السوء والشرّ . وعلى الوجه الأول يكون المراد بالمكذبين كذبوا بالقرآن ، وعلى الوجه الثاني في معنى الجملة جميع الذين كذبوا الرسل وما جاءوهم به ، وبذلك العموم أفادت الجملة مفاد التذييل ، ويشمل ذلك المشركين الذين كذبوا بالقرآن والبعث إذ هم المقصود من هذه المواعظ وهم الموجه إليهم هذا الكلام ، فخوطبوا بقوله : إِنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ . [ 16 ] [ سورة المرسلات ( 77 ) : آية 16 ] أَ لَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ ( 16 ) استئناف بخطاب موجه إلى المشركين الموجودين الذين أنكروا البعث معترض بين أجزاء الكلام المخاطب به أهل الشرك في المحشر . ويتضمن استدلالا على المشركين الذين في الدنيا ، بأن اللّه انتقم من الذين كفروا بيوم البعث من الأمم سابقهم ولاحقهم ليحذروا أن يحلّ بهم ما حلّ بأولئك الأولين